Site icon TWAILR

رسالة إلى آبائنا وأمهاتنا: إحياءً للذكرى الخامسة عشرة للإبادة الجماعية التاميلية من الدائرة الشعبية من أجل فلسطين

The English and Tamil versions of this text are available here.
Arabic translation and proofreading by Alice Yousef and Hala Shrouf.

أمهاتنا وآباءنا الأعزّاء

حلّ علينا الثامن عشر من أيّار/ مايو من جديد، ليحمل معه ذكرى مضى عليها خمسة عشر عامًا، ذكرى يومٍ أليم يُعدّ واحدًا من الأيام الكثيرة التي شكّلت ملامح الإبادة الجماعيّة التي تعرّض لها شعب التاميل في سريلانكا

نكتب لكم/نّ اليوم، في الذكرى الخامسة عشرة لمجزرة موليفايكال، من معسكر التضامن مع فلسطين في جامعة تورنتو، المعروف باسم “الدائرة الشعبيّة من أجل فلسطين

نحن الآن في العام 2024، لكنّ ما نراه ونعيشه يعيدنا، بكلّ فصول الألم، إلى العام 2009. نُذكّر أنفسنا بأنّ السنوات قد مرّت، لكنّ مشاهد الإبادة الجماعيّة التي تُبثّ أمامنا بلا انقطاع، تُرهبنا كما لو أنّنا نُعاين مجازر الأمس من جديد، لا كذكرى، بل كواقعٍ مستمرّ. الذكريات القديمة لا تندثر، بل تنهض من أعماقنا، نيّئة، دامية، وقريبة كأنّها حدثت بالأمس القريب. في السادس من أيّار/ مايو 2024، استفقنا في المخيّم على وقع العدوان الإبادي الذي شنّته قوّات الاحتلال الإسرائيلي على رفح، آخر ما تبقى للفلسطينيّين من مساحة تُوصف زورًا بأنّها آمنة، وقد كانت تأوي أكثر من 1.4 مليون نازح. حينها، اختلّ الزمن وتصدّع، وشعرنا وكأنّنا نُسحب قسرًا إلى أيّار/ مايو 2009، إلى موليفايكال، حيث اجتاح جيش سريلانكا الإبادي “منطقة حظر إطلاق النار”، تلك التي احتمى فيها أكثر من 300 ألف مدني

نتذكّر شهر أيّار/ مايو من عام 2009 بوصفه شهرًا غاصًّا بصور القتل العشوائي في الوطن، صور اجتاحت شاشات حواسيبنا، وتسللت إلى منازلنا عبر منشوراتٍ مطبوعة، مُحمّلة بمشاهد مروّعة توثّق المجازر التي ارتكبتها الدولة السريلانكيّة بحقّ شعبنا. نقول “مجازر” بصيغة الجمع عمدًا، إذ لم تكن مجزرةً واحدة، بل سلسلة من الجرائم التي توفّرت أدلّتها بوضوح، وكان ذلك الواقع المدمّر ماثلًا أمام أعيننا الصغيرة دون مواربة. نتذكّر محاولاتنا اليائسة لطمأنة أنفسنا بأنّنا لا نعرف الوجوه في الصور، لكنّ تلك كانت راحة مستحيلة؛ فكلّ وجه كان يشبه واحدةً وواحدًا منكم، يشبه من نحبّهم – أمّهاتنا، آباءنا، إخوتنا وأخواتنا الكبار منهم والصغار، وحكماءنا من الأجيال الأكبر سنًّا. وكلّ ما استطعنا انتزاعه من لحظة ارتياح من ملامح الغرباء، سرعان ما ارتدّ بشعور عميق بالخوف في قلوبنا، ونحن نُصغي في منتصف الليل إلى مكالماتكم الهاتفيّة القلقة، أنتم الذين كنتم تحاولون من مكانٍ بعيد أن تعرفوا إن كان أحبّاؤنا لا يزالون أحياء

نتذكّر كيف اختارت وسائل الإعلام الغربيّة، عن عمد، ألّا تُظهر للعالم ما كان يحدث لشعبنا. وبالمثل، لم تقدّم لنا الدولة الكنديّة أيّ دعم يُذكر، إن كان هناك دعم أصلًا. ومع ذلك، علّمتمونا أنّه إذا رفضت وسائل الإعلام إظهار الحقيقة، فسنعمل على إيجاد طرقنا الخاصّة لنجعل من أنفسنا شهودًا على حقيقة الإبادة الجماعيّة. علّمتمونا ألّا نُغمض أعيننا أمام الظلم، مهما كان قاسيًا ومفجعًا

نتذكّر كيف قضينا عيد الأمّ إلى جانبكم، متشبثين بأيديكم/نّ بينما نسير معًا على طريق غاردينر السريع في تورنتو، متسبّبين في شلّ حركة المرور. نزلنا إلى شوارع المدينة معًا، كتفًا إلى كتف، إلى جانبكم/نّ. نتذكّر أجسادنا الشابّة وهي تتمايل بين الجموع، تُجذَب في كلّ اتّجاه مشكّلةً سلسلة بشريّة في محطّة الاتّحاد. واجهنا السيّارات والشرطة، مُخاطرين بحياتنا، ومُحافظين/ات على هذا الصمود، مستلهمين/ات ذلك من شجاعتكم. كنّا نحمل في صدورنا حزنًا يشبه حزكم، ويأسًا يتردّد صداه بين قلوبنا. ومع ذلك، وجدنا عزاءنا في الهتافات، تلك التي لا تزال ترنّ في مسامعنا حتّى اليوم، وتُسمَع في شوارع تورنتو: “أوقفوا الإبادة الجماعيّة الآن!” و”نريد تاميل إيلام*!”. وفي كلّ مرّة كنّا نصرخ فيها، كنّا نعيد التأكيد على وعدٍ قديم: لا عدالة، لا سلام

رغم أنّنا كنّا أطفالًا وشبابًا حينها، فشهر أيّار/ مايو 2009 ـ الذي جمعنا فيه كلّ الحزن والشجاعة والحبّ الذي رأيناكم تجسّدونه ـ سوف يظلّ محفورًا إلى الأبد في ذاكرتنا 

والآن هو شهر أيّار/ مايو من عام 2024 يأتي، وقد بدأ الزمن ينهار ونحن نشهد إبادة جماعيّة أخرى

على مدى الأسابيع القليلة الماضية، تابعنا كيف تحاصر قوّات الاحتلال الإسرائيلي ملايين الفلسطينيّين في غزّة، تُجوّعهم وتُمعن في قتلهم. وبينما نشهد المجازر المتواصلة في رفح على وجه الخصوص، تعود إلى أذهاننا الأساليب نفسها التي استخدمها الجيش السريلانكي في موليفايكال: تطهير عرقي، ووعود كاذبة قُدّمت لمدنيّين مذهولين ومنهكين، يعيشون أصلًا وسط أزمة إنسانيّة خانقة. اليوم، كما في السابق، نرى قوّات الاحتلال توجّه من يبحثون عن الأمان والمأوى نحو ما يُسمّى بـ “المناطق الآمنة”، أو “مناطق حظر إطلاق النار” التي لا تلبث أن تتحوّل إلى ساحات للقصف العشوائي والمجازر. في عام 2009، كانت الصور تصلنا عبر منشورات ومطويات؛ أمّا اليوم، فنُتابع كلّ شيء عبر وسائل التواصل الاجتماعي. نُقلّب الصور واللقطات بقلوب مرتجفة، يراودنا الخوف ذاته من أن تكون بين الجثث المعروضة وجوه نحبّها

نعلم أنّ سريلانكا وإسرائيل تدعمان مشاريع الإبادة الجماعيّة لبعضهما البعض منذ زمن طويل. في الواقع، قُتل شعبنا بأسلحة إسرائيليّة. منذ أوائل ثمانينيّات القرن الماضي، قدّمت إسرائيل تدريبًا عسكريًّا لسريلانكا، وتطوّر الأمر سريعًا إلى تزويدها بكميّات كبيرة من الأسلحة خلال الحرب، منها طائرات كفير والمُسَيّرات التي استُخدمت لتوجيه تلك الطائرات في القصف العشوائي على شعب التاميل. ومن بين المجازر التي لا تُنسى، نذكر آب/ أغسطس 2006، حين استيقظنا على خبر مروّع يقول إنّ سلاح الجوّ السريلانكي أسقط قنابل من طائرات كفير الإسرائيليّة على سينتشولاي – دار رعاية للأطفال – ما أسفر عن مقتل 53 فتاة

من الواضح أنّ هذه الدول التي مارست الإبادة الجماعيّة تتضامن معًا، وهذا يفرض علينا تعزيز تضامننا مع الشعب الفلسطيني. في الواقع، أنتم من علّمتمونا أنّ تحرير فلسطين مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحرير التاميل. نتذكّر كيف أخبرتمونا عن معرفتكم بأعضاء في منظّمة التحرير الفلسطينيّة، وكيف كانوا من أوائل معارفكم عند وصولكم إلى تورنتو. نحن فخورون بأن نرث هذه التضامنات الراسخة عبر الأجيال ونرعاها

في عام 2009، وبعد أن قضينا عطلات نهاية الأسبوع في المسيرات وسط شوارع تورنتو، نتذكّر عودتنا إلى الفصول الدراسيّة، حيث كان زملاؤنا يصفوننا بـ”الإرهابيّين”. نتذكّر رعبنا من الموت والدمار المستمرّ لأرضنا وشعبنا، بينما كان الغرب منشغلًا بمراقبة احتجاجاتنا. الآن، وبينما تكثّف إسرائيل عمليّاتها العسكريّة في رفح، يهاجم الغرب مجدّدًا الطلّاب الشجعان الذين يقفون تضامنًا راسخًا مع فلسطين. نعلم يقينًا أنّ هذه الأساليب العنيفة للرقابة تُستخدم لقمع أحلام التحرير. ونشهد هذا اليوم في دولة سريلانكا الاستعماريّة الإباديّة، حيث يضرب ضبّاط الشرطة ويعتقلون ويجرّمون منظّمي إحياء ذكرى موليفيكال، بما في ذلك فعاليّة تقديم الكانجي. لهذا السبب، في 18 أيّار/ مايو، نواجه النظام العالمي للرقابة، الذي يحاول قمع الحقيقة وعرقلة التحرير، ونرفضه

لذا، مرّة أخرى، كما فعلنا تحت أجنحتكم قبل خمسة عشر عامًا، ننزل إلى الشوارع مجدّدًا. نطالب بالعدالة والحرية، وإنهاء تواطؤ الدولة الكنديّة في الإبادة الجماعيّة ضدّ الفلسطينيّين، تمامًا كما فعلنا ونحن أطفال إلى جانبكم، عندما كنّا نشهد على إبادة شعبنا. نسمّي ما يحدث في فلسطين بما هو عليه: إبادة جماعية، كمّا سمّيناها آنذاك، حين كانت توجّه ضدّ شعبنا

أمهاتنا وآباءنا- لقد أكملنا دائرتنا. جئنا بكم إلى مخيّم الطلّاب قبل أيّام (والمصادفة أيضًا أنّه دائري بشكله المادّي ودوره الرمزي)، لأنّنا أردنا أن نوضّح لكم سبب وجودنا هنا، وكيف نحمل إرثكم معنا في هذه المنطقة المحرّرة. نعلم أنّ التهجير والعنف الذي يواجهه التاميل في الوطن الأمّ لا يزال مستمرًّا. لا يزال العنف القومي الإثني للدولة السريلانكيّة قائمًا، وكذلك مقاومة شعبنا. وبصفتنا أبناء النضال، نبقى ملتزمين التزامًا راسخًا بتحرير التاميل في وطننا الأصلي، وفي كلّ مكان آخر

لقد مكّنت سرديّات المصالحة والمساءلة الغرب من التبرّؤ من دماء شعبنا، ولذلك نرفض الاستجابة لنداءات الدولة الكنديّة التي تحاول فرض شروطها علينا في كيفيّة التذكّر والمقاومة. ولا ننسى تواطؤ الدولة الكنديّة والإعلام الغربي عام 2009 واليوم، خصوصًا عندما نشهد كيف يستمرّان في تعاملهما مع فلسطين. نرفض الصور النمطيّة الأخيرة التي تصوّر الشعب التاميلي كضحيّة ليبراليّة مثاليّة، والتي تطمس المقاومة اليوميّة المستمرّة في شمال الجزيرة وشرقها. بل نجد العزاء في تضامننا مع حركات المقاومة الأخرى المناهضة للاستعمار، والتي تؤكّد عالميّة نضالنا. هذا العام، وبينما تُقرّ الدولة الكنديّة بالإبادة الجماعيّة للتاميل، نذكّرهم بأنّ النضال التاميلي ما يزال مستمرًّا، ومرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالكثير من حركات التحرّر الأخرى المناهضة للاستعمار. لن نكون أحرارًا ما لم نصبح جميعنا أحرارًا

أمهاتنا وآباءنا، نعلم أنّه ليس من السهل تربية الأطفال هنا في كندا، في دولة ليست وطنكم ولا وطننا، في دولة لا تُبالي بحياتنا، في دولة بُنيت على أرض مسروقة. ومع ذلك، فإنّ تضامننا مع فلسطين هو ما جعلنا نشعر بأنّنا أقرب ما نكون من أجدادنا وتراثنا ووطننا. نحن نعلم – كما علموا هم – أنّه بمجرّد أن تتحرّر فلسطين، سنكون جميعنا أحرارًا بشكل حقيقي. لذا، وبالإيمان الذي تعلّمناه منكم، نؤكّد أنّنا سننال الحريّة جميعًا، من الماء إلى الماء

~

التجمّع النسوي التاميلي هو تجمّع غير هرمي من شعب التاميل، متجذّر في سياسات مناهضة الاستبداد ال، وتقرير المصير، والتحرّر في الوطن الأمّ وفي كلّ مكان، نرى فيه نضالًا من أجل الدول وخارجها. نتواجد بهذا الشكل من التنظيم – كتجمع – لأنّنا نقاوم كيفيّة تشتّت نضالاتنا عن بعضها البعض. نحن أبناء النضال

*
تاميل إيلام (Tamil Eelam) تعني “وطن التاميل” باللغة التاميليّة، وهو الاسم الذي يُطلقه شعب التاميل على الإقليم الذي يطالبون به كوطن مستقل لهم في شمال وشرق سريلانكا. يمثّل “تاميل إيلام” حلمًا بالتحرّر وتقرير المصير، نبع من عقودٍ من التهميش والاضطهاد والعنف المنهجي ضدّ التاميليّين في سريلانكا. والهتاف باسمه ليس فقط تعبيرًا عن مطالب سياسّية، بل أيضًا فعل حبّ جماعي وذاكرة نضاليّة لا تزال حيّة.


Exit mobile version